جلال الدين السيوطي

53

الاقتراح في علم اصول النحو

أحدهما : أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى ، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم لم تنقل بتلك الألفاظ جميعها ، نحو ما روى من قوله : « زوّجتكما بما معك من القرآن » ، « ملّكتكها بما معك » ، « خذها بما معك » ، وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة ، فنعلم يقينا أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها ، إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ غيرها ، فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه ، إذ المعنى هو المطلوب ، ولا سيما مع تقادم السماع ، وعدم ضبطه بالكتابة ، والاتكال على الحفظ ، والضابط منهم من ضبط المعنى ، وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الأحاديث الطوال ، وقد قال سفيان الثوري : « إن قلت لكم : إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى » ، ومن نظر في الحديث أدنى نظر ، علم العلم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى . الأمر الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ، لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو ، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون ذلك ، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب ، ونعلم قطعا [ من ] غير شك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان أفصح الناس ، فلم يكن ليتكلم إلا بأفصح اللغات ، وأحسن التراكيب ، وأشهرها وأجزلها ، وإذا تكلم بلغة غير لغته ، فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز ، وتعليم اللّه ذلك له من غير معلم . والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر ، متعقبا بزعمه على النحويين وما أمعن النظر في ذلك ، ولا صحب من له التمييز ، وقد قال لنا قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة - وكان ممن أخذ عن ابن مالك - « قلت له : يا سيدي